الجمعة، 12 أغسطس 2011

استطلاع الهلال




صورة نادرة تعود للنصف الأول من القرن الماضي لأحد المشايخ وهو يستطلع هلال رمضان مستخدماً تليسكوب

رمضان في بيوت رجال السياسة منذ 75 عاماً

لشهر رمضان مذاق خاص يفتقده كثير ممن عاصروه منذ عقود، وإن بقي لهذا الشهر الفضيل نفس البهجة التي اختلفت معالمها باختلاف الزمن. نعود معاً إلى مصر في أوائل القرن الماضي لنرى معاً كيف كان الناس يحتفلون بقدوم رمضان في وقت لم تكن الحياة فيه قد تطورت إلى ما وصلت إليه اليوم.

كان الاحتفال الفعلي برمضان في بدايات القرن الماضي تبدأ ببيوت الناس في المساء، نظراً لأنه كان من الصعب على الصائمين الحديث خلال ساعات النهار. ولكن في الليل كان الأمر ينقلب وتدب الحياة في منازل القاهرة. كانت السهرات في تلك الفترة تتم في مندرة المنزل وهي قاعة فسيحة يجتمع الناس فيها لسماع آيات الذكر الحكيم، حيث كان أصحاب المنازل يتفقون قبل مدة طويلة من شهر رمضان مع المقرئين على إحياء ليالي رمضان وكانت تلك الليالي الرمضانية البسيطة في المنادر تحظى بإقبال كبير حيث تغض المنادر بالضيوف لسماع آيات القرآن والذكر وتدور عليهم أكواب القرفه والمرطبات لتسليتهم.
حتى ثلاثينيات القرن الماضي، كان بعض المشاهير من رجال السياسة يحرصون على تلك التقاليد القديمة بتلاوة المقرئين للقرآن في ليالي رمضان ومنهم طلعت حرب باشا وغيره من رجال هذا العصر.
ربما الذي قضى على ظاهرة المقرئين في رمضان خلال تلك الفترة هو ظهور الرايو الذي التف الناس حوله بعد أن حل محل هؤلاء المشايخ. كما أختفت أيضاً ظاهرة السهرات الرمضانية في المنادر وانتقلت إلى المقاهي. وكان السبب الرئيسي وراء ذلك هو انتشار وسائل المواصلات الحديثة التي قربت المسافات بين أجزاء القاهرة، فصار الانتقال من مكان لأخر سهلاً بعد أن كان أمراً شاقاً في أواخر القرن التاسع عشر.

<

حافظ المشاهير في مصر على التقاليد القديمة لشهر رمضان كما ذكرنا ومنهم الأمير محمد على ولي عهد مصر أثناء كم فاروق حيث كان يتسعين بخمسة من أشهر المقرئين في تلك الفترة لإحياء ليالي رمضان في قصر المنيل وكتن يحضر بنفسه تلك الاحتفالات داخل منزله علاوة على توزيع الصدقات على الفقراء والأطفال في ليالي رمضان. أما مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد فكان يحتفل برمضان من خلال سهرات طويلة يجتمع فيها كثير من رجال حزبه وتدور خلالها مناقشات سياسية وأدبية بين الحاضرين في جو ودي بعيداً عن الرسميات. وكان للنحاس اسلوباً في ولائم الافطار حيث يدعو 30 فردأ يومياً على التوالي من أعضاء الحزب ثم الهيئة الوفدية ثم نقابة المحلمين ثم لجان حزب الوفد وشبابه، كما كان يحرص على وجود مقرئين يحيون ليالي رمضان في منزله طيلة أيام الشهر.
محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر السابق كان يحرص هو الأخر على وجود اثنين من المقرئين لإحياء ليالي رمضان بمنزله. وكان يفضل تناول الإفطار بمنزله بعيداً عن دعوات الأفطار التي تأتيه من رجال السياسة، كما كانت حديثة قصره تتحول طوال شهر رمضان إلى مائدة رحمن كبيرة للفقراء. أما في المساء، حيث يتوافد أصدقاء رئيس الوزراء الأسبق على منزله، تبدأ السهرة حتى ساعة متأخرة من الليل وتنقضي السهرة في الحديث عن السياسة والأدب والثقافة والفن.
من البيوت الأخرى التي عرفت بسهراتها الرمضانية الممتعة بيت آل عبد الرازق ومنهم الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهرفي النصف الأول من القرن الماضي. وكان منزل آل عبد الرازق في رمضان يشبه صحناً من صحون الأزهر حيث تطغى المناقشات الدينية على السهرات الرمضانية في منازلهم. المدعوون للافطار في بيت آل عبد الرازق كانوا من فئات مختلفة منها رجال السياسة والفكر واستاتذة الجامعات والصحفيين وغيرهم من فئات المجتمع. وكانوا في الوقت ذاته يدعون بعض الأجانب لحضور مؤائد الافطار في رمضان للتعرف على بعض جوانب الدين الإسلامي، وكانوا في الوقت ذاته يقةمون بتوزيع اللحم والخبز على الفقراء والمحتاجين.
من الموائد الرمضانية الشهيرة في تلك الفترة مائدتي قوت القلوب الدمرداشية وهدى شعراوي التي كانت توكل تنظيم تلك المائدة إلى السيده سيزا نبراوي.
شريف على

فانوس رمضان .. بدأ كصناعة محلية أيام الفاطميين وصار اليوم صينياً

منذ مئات السنين، وفانوس رمضان يحتل الصدارة كأحد أبرز معالم هذا الشهر. فعلى عكس ما يعتقد البعض، لم يظهر فانوس رمضان التقليدي منذ مائة عام بل يعود ظهوره للمرة الأولى في مصر إلى أيام الفاطميين وتحديداً مع وصول المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر حيث وصل من المغرب في الخامس من رمضان عام 358 هجريه. ولأن المعز لدين الله وصل مصر ليلاً أمر قائده جوهر الصقلي المصريين بالخروج لاستقباله فخرج الأهالي حاملين الفوانيس التي ارتبطت برمضان منذ ذلك الحين. تمتع الفانوس بمكانة متميزة لدى الفاطميين حيث كان الاهالي يضيئون الفوانيس في موكب الخليفة الفاطمي بعد استطلاع هلال رمضان والتأكد من بداية شهر الصوم .



ربما أطرف القصص التي تتعلق بفوانيس رمضان تعود إلى عصر الحاكم بأمر الله الفاطمي المشهور بتحريمه للموخية، حيث سبق له وأصدر مرسوماً بألا تخرج النساء ليلاً في مصر إلا إذا تقدمهن صبي يحمل فانوساً. وفي سنوات لاحقة لحكمه، صدر أمر بأن يتم تعليق فوانيس مضاءة على أبواب البيوت ومآذن المساجد من المغرب وحتى طلوع الفجر.
أستمر وجود الفانوس كأحد أهم معالم شهر رمضان خلال العصور التالية وتعددت الألوان والأحجام فمنه الكبير الذي يستخدم لأغراض الإنارة لأسرة بأكملها ومنه الصغير الذي يتسخدم لإنارة الطريق ولتسلية الأطفال.
في بدايات القرن الماضي بدأ الفانوس يأخذ شكله الذي عرفناه خلال القرن الماضي قبل ظهور الفوانيس الصينية. وكانت أشهر أنواع الفوانيس هي المركب والترام والمرجيحة وأبو سبله وعبد العزيز وغيرها. وكانت تلك الفوانيس تصنع من الصفيح وقطع الزجاج الصغيرة. وعلاوة على فوانيس الأطفال أنتشرت في مدن مصر خلال القرن الماضي فوانيس الحارات الكبيرة التي يقوم السكان بتركيبها في منتصف الحارة أو الشارع وكانت تصنع من الخشب والورق وفي الزجاج.
والواضح أنه خلال تلك الفترة كان الفانوس رمزاً قومياً في مصر حتى أن حكام البلاد كان يقومون مع بداية شهر رمضان بإرسال فانوس فخم إلى السلطان العثماني الذي كانت مصر تتبعه حتى منصف العقد الثاني من القرن الماضي.
ازدهرت تجارة الفوانيس الرمضانية وانتشرت في مصر خلال الفترة ما بين 1918 و1935. وفي تلك الفترة تعددت أشكال الفوانيس وتنوعت أحجامها وتطورت أيضاً فبعد أن كانت الفوانيس تضاء بالشموع كانت غالبيتها خلال تلك الفترة تضاء بمادة الكرون الأبيض الذي يجعلها تبدو كما لو كانت مصباحاً كهربياً. أما أسعار الفوانيس فكانت تتراوح ما بين مليمين و5 قروش وفقاً لحجمه والمواد الخام المستخدمة في صناعته.
اختلف الحال اليوم مع ظهور الفوانيس الصينية التي صارت تنافس الفوانيس المصرية بسبب رخص سعرها وإن كانت الأخيرة لا تزال تنتج في بعض مناطق القاهرة مثل تحت الربع والسيدة زينب بل ويصدر بعض هذا الإنتاج إلى الخارج.
لم تكن تلك الفوانيس الصغيرة التي يلهو بها الأطفال مجرد لعبة بل رمز يرتبط في أذهان الصغار والكبار معاً بقدوم الشهر الكريم. ولا يزال هذا الرمز حاضراً في اذهاننا حتى اليوم.
شريف على

مواكب الرؤيا .. من معالم رمضان التي اختفت


ارتبط شهر رمضان في مصر بتقاليد عديدة منها الفانوس والمأكولات الرمضانية، ولكن أبرزها منذ مائة عام هو موكب الرؤية الذي يخرج الكبار والصغار لرؤيته، وإن اختفى ذلك اليوم.
قصة موكب الرؤيا بدأت في عهد المماليك، وقيل قبلهم، حيث كانت السلطات الحاكمة لمصر على مر العصور تبدي اهتمامهما بهذا الشهر وتقديرها له لمكانته بين شهور العام. فكانت مراسم هذا الموكب تتمثل في حفلة فخمة تتعاون فيها كافة جهات الدولة من سلطات دينية متمثلة في شيوخ الازهر والقضاه مع حكام البلاد. فكان الحفلة التي تقام في بين القاضي يحضرها الوزير وكبار القواد ورجال الحاشية والقاضي الأكبر والقضاة والعلماء والوجهاء والوالي والشرطة.
وبعد ثبوت الرؤية يخرج من بيت القاضي موكب عظيم تقدمه الوالي ومن خلفه الشرطة على ظهور الخيل مرتدين الزي العسكري وكان حينها عبارة عن قفطان وجبة وخنجر في الحزام وسيف يتدلى يمين الجندي. ومن وراء العسكريين يأتي دور طوائف العمال وعلى رأس كل كائفة كبيرها الذي يتولى إدارة شئونها. وأمام هذا الموكب وعلى جانبيه يسير حملة المشاعل. كان هذا الموكب المهيب يطوف أحياء القاهرة كاملةً وأثناء ذلك يتم إرسال خبر ثبوت الرؤية بالحمام الزاجل إلى باقي أنحاء مصر. أما المدن الكبيرة في مصر حينها مثل الاسكندرية ودمياط فكانت تستقل برؤية الهلال ولكن كان هناك اتفاقاً على توحيد يوم الصيام وأيام العيد.
ومما يذكر عن هذا الموكب أن بعض الطوائف كانت تقوم بحركات تمثلية على عربات كارو تشرح مهنتها أثناء الموكب، فتقوم طائفة الحلاقين بفاصل تمثيلي أثناء سير الموكب كما لو كان حلاقاً يقوم بعمله بالفعل وكذلك الحال مع باقي الطوائف.
مع الاحتلال العثماني لمصر لم يتغير الأمر كثيراً وإن فقد هذا الموكب بريقه الذي تمتع به في العصور السابقة وزاد تدهور الموكب في فترة الحملة الفرنسية رغم الاهتمام البالغ الذي أبداه نابليون بونابرت بالمناسبات الدينية المصرية ومنها رؤية الهلال وموكبه في محاولة منه لاستمالة المصريين. ولكن الدمار الذي اصاب القاهرة أثناء الحملة وحالة الكساد التي ضربت القاهرة علاوة على الضرائب الباهظة التي فرضها نابليون على المصريين أصابتهم بحالة من الأسى والحزن جعلتهم لا يشعرون برونق هذه الموكب.

لم يعد لموكب رؤية الهلال بريقه القديم سوى في عهد محمد على الذي شهدت البلاد في سنوات حكمه ازدهاراً كبيراً ولكنه سرعان ما عاد إلى الوراء في عهد أبنائه بسبب تناقص عدد الطوائف الممثلة فيه خاصة وأن نظام الكوائف كان شبه رسمي أيام محمد على ثم صار عرفياً في فترة حكم الخديوي اسماعيل ثم حلت محله النقابات العمالية في العهود التالية. وفي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم يكن موكب رؤيا الهلال سوى موكب عسكري شبيه بموكب مولد النبي ينحصر المشاركين فيه على العسكر بينما يصطف الناس على جانبي الطريق لمشاهدة الموكب.

شريف على

حوال المرور في مصر أوائل القرن العشرين


عرفت مصر السيارات منذ عام 1890 وكانت بذلك أول دولة في الشرق وأفريقيا تشهد هذا الابتكار الجديد الذي غير وجه الحياة في شوارع المحروسة. ومع الانتشار السريع للسيارات خلال الربع الأول من القرن العشرين، تطلب ذلك قيام الحكومة بتشكيل كيانات تختص بتنظيم ما يتعلق بالسيارات ويضع القوانين التي تنظم سيرها. وكانت مصر بذلك أولى دول الشرق التي تشهد هذا الأمر. تقرير نادر تنشر "بورصة السيارات" مقتطفات منه للمرة الأولى يكشف الكثير من المعلومات والإحصاءات الخاصة بالسيارات في تلك الفترة حيث غطى كل ما يتعلق بالسيارات في مصر ما بين عامي 1915 و1925. وربما اللافت في هذا التقرير هو تلك الدقة المتناهية في التي اتسم بها القائمون على أحوال المرور خلال تلك الفترة التي تعد اليوم بمثابة البداية الحقيقية لانتشار السيارات في مصر.

ربما المضحك في التقرير الذي صدر في عام 1926 هو مقدمته التي تتحدث عن "السيل العرم" من السيارات الذي يجوب شوارع القاهرة والذي تطلب وجود جهات تنظم المرور وتمنع حوادث التصادم وتعاقب المخالفين وتقوم بتحصيل المخالفات منهم وتحدد مهام القائمين على تنظيم حركة السير في الشوارع.
جاء في التقرير أن الأعمال الخاصة بالمرور في مصر أزدياداً مطرداً خلال تلك الفترة حيث بلغ مجموع المركبات في القطر خلال عام 1926 حوالي 28337 مركبة أما إيراد قلم المرور فطرأت عليه زيادة متماشية مع تلك الزيادة حيث بلغ الأيراد عام 1924 قرابة1540 جنيهاً زادت في عام 1925 إلى 26170 جنيهاً وطرأت عليها زيادة طفيفة في عام 1926 لتبلغ 26720 جنيهاً. ولم يدخل في تلك الإيرادات غرامات السيارات التي تحكم بها المحاكم والتي تدخل إلى إيرادات الدولة.
بالطبع ترتب على زيادة عدد السيارات في مصر زيادة في أعداد المخالفات حيث بلغت 18910 مخالفة في عام 1925 زادت إلى 28617 مخالفة في عام 1926. أما الإنذارات الإدارية والعقوبات التي فرضت على السائقين في عام 1925 فقد بلغت 19296 نقصت في العام التالي إلى 17850. ويرجع سبب ها النقص إلى الخطة التي اتبعها قلم المرور في تلك الفترة وهي أنه إذا امكن محاكمة المخالف أمام المحكمة يتم تحرير محضر له ويقدم للمحاكمة بدلاً من توقيع عقوبة إدارية عليه.
ويبرز التقرير بعض أحوال المرور في تلك الفترة حيث ينقل عن رسل باشا حكمدار العاصمة في تلك الفترة طلباً بزيادة أخرى لقوة قلم المرور حيث يقول أنه "لا مناص من ذلك بسبب الزيادة في حركة المرور بالعامصة نتيجة زيادة أعداد السيارات" مضيفا أن القاهرة "تنمو وتتسع وضواحيها آخذة في الامتداد والمركبات فيها يزيد عددها وتكثر سرعتها، فإذا كان ينبغي مراقبة حركة المرور فعلاً فلا بديل عن زيادة قوة الكونستبلات والعساكر." ويقول رسل باشا أنه أراد تقديم الطلبات الخاصة باحتياجات المرور لسنوات ثلاث تالية ولكنه لم يتمكن من ذلك لعدم قدرته الحصول على خرائط مفصلة لشوارع القاهرة من مصلحة التنظيم."
وشير التقرير إلى أن 33% من قوة المرور كانت تؤدي خدماتها من خلال نقاط دورية ثابتة لافتاً الانتباه إلى أن بعض تلك الشوارع طويلة وبعضها كان متروكاً بغير مراقبة وبعضها الأخر لا يقوم بمراقبته إلا أفراد الدوريات الراكبة من خلال المرور عليه بين الحين والأخر على مدار اليوم.
انعدام الرقابة في تلك الفترة يماثل تماماً ما يحدث في يومنا هذا خاصة ظاهرة الصف الثاني التي تقلل من عرض الطريق وتتسبب في الأزمات المرورية بل ويشير رسل باشا إلى أن بعضها كان يتسبب في حوادث مرورية نتيجة لسعي السائقين لتفادي السيارات المركونة في الشوارع.
ويقول التقرير أن رجال المرور الذين يمكنهم علاج تلك المشكلة هم رجال السواري فقط الذين يمكنهم السير باستمرار ذهابا إياباً في الشوارع الرئيسية أما ركاب الموتوسيكلات فلا يمكنهم علاج تلك المشكلة لأن تركيزهم في الأساس ينصب على تسيير دراجاتهم النارية دون حوادث.
قد يتسائل البعض عن سبب الطفرة الكبيرة التي طرأت على أعداد السيارات والمركبات في مصر خلال منتصف العشرينيات مقارنةً بالسنوات السابقة لها. ولعل التفسير الوحيد لذلك هو الزيادة الكبيرة في أسعار القطن والتي أدت إلى انتعاش مالي كبيرة في مصر خلال تلك الفترة انعكست على تحسن أحوال معيشة قطاع لا باس به من المصريين أقبلوا على شراء السيارات. ولنتابع معاً باقي التقرير الذي رصد أعداد عربات النقل في مصر والتي لم تتجاوز عربة نقل واحدة في عام 1919 زادت إلى 42 عربة في العام التالي ثم 110 في عام 1921 وقفزت إلى 415 عربة نقل في عام 1922 وصارت 571 عربة في عام 1923 و821 في عام 1924 و1651 في عام 1925 وانخفضت إلى 1030 في عام 1926.
أما الدراجات النارية فكان عددها 279 في عام 1914 زادت إلى 360 في عام 1915 و457 في عام 1916 و513 في عام 1917 وانخفضت إلى 420 في عام 1918 و432 في عام 1919 ثم قفزت إلى 960 عام 1920 وقلت مرة أخرى إلى 930 في عام 1921 ولكنها زادت إلى 1475 في عام 1922 وقفزت إلى 1706 في عام 1923 و1876 في عام 1924 وزادت بشكل كبير إلى 3528 في عام 1925 وانخفضت مرة أخرى في عام 1926 لتبلغ 1760 دراجة نارية.

أما عدد سيارات الركوب العمومية المعروفة حينها بإسم الأومنيوبوس فلم تتجاوز 36 سيارة في عام 1920 فصارت 74 سيارة عام 1921 و215 في عام 1922 و270 في عام 1923 و614 في عام 1924 وقفزت إلى 827 في عام 1925 ثم انخفضت إلى 420 سيارة أومنيوبوس في عام 1926.
أما عربات الركوب وهي الحناطير فكانت في عام 1914 حوالي 1665 عربة قلت في عام 1915 إلى 1591 و1586 في عام 1916 وواصلت الانخفاض في عام 1917 لتبلغ 1414 وفي عام 1918 وصلت إلى 1210 وفي سنة 1919 بلغت 1288 وفي عام 1920 بلغت 1234 ثم 1321 في عام 1921 ثم زادت إلى 1325 في العام التالي وواصلت الصعود في عام 1923 لتبلغ 1362 وهو نفس عددها في عام 1924 وبدأت الانخفاض بشكل ملحوظ في عام 1925 حيث بلغت 1090 عربه وصلت في 1926 إلى 957 عربه فقط.
عربات السوارس الشهيرة مرت بصعود وهبوط في تلك الفترة حيث بلغ عددها في عام 1914 حوالي 114 عربة سوارس قلت إلى 104 في عام 1915 وواصلت الانخفاض في عام 1916 لتبلغ 93 عربه ثم 85 في عام 1917 و78 في عام 1918 و83 في عام 1919 و52 في عام 1920 و69 في عام 1921 و59 في عام 1922 و48 في عام 1923 و71 في عام 1924 و59 في عام 1925 و52 في عام 1926. والواضح أن العلاقة بين عربات السوارس والأومنيوبوس كانت عكسية حيث ارتبطت زيادتها بانخفاض في عدد عربات السوارس.
أما الطريف فهو أن عربات الكارو كانت أعدادها في صعود مستمر حيث تكشف الأرقام الرسمية أنه في عام 1914 بلغ عددها 11752 عربة كارو قلت في العام التالي إلى 11532 ثم 11289 في عام 1916 ولم تتعد 10 آلاف عربة كارو في عام 1917 وقلت في عام 1918 إلى 9237 وفي عام 1919 كانت حوالي 9295 وانخفت بشكل كبير في عام 1920 إلى 4336 ثم بدأت الزيادة مرة أخرى بحلول عام 1921 حيث بلغت 4518 وفي سنة 1922 بلغت 6033 ثم قفزت إلى 8664 في عام 1923 ثم 12034 في عام 1924. وفي عام 1925 وصلت عدد عربات الكارو إلى 16406 وبلغت ذروتها في عام 1926 بإجمالي 17772 عربة كارو.
ويغطينا التقرير إحصاء دقيق بأعداد كافة المركبات بمختلف أنواعها في القطر المصري خلال تلك السنوات حيث بلغ عام 1914 حوالي 14466 مركبة وفي عام 1915 حوالي 14410 مركبة وفي سنة 1916 بلغ العدد 14362 مركبة و12770 مركبة في عام 1917 و11941 مركبة في عام 1918 زادت إلى 12395 مركبة في عام 1919 ثم انخفضت إلى 8578 مركبة في عام 1920 وعادت للصعود في عام 1921 لتبلغ 9074 ثم 12805 مركبة في عام 1922 و17502 في عام 1923 و24581 في عام 1924 و34174 في عام 1925 و28337 مركبة في عام 1926.
ويحدد التقرير عدد طلبات الحصول على تراخيص لقيادة المركبات بمختلف أنواعها من سيارات عادية او عربات كارو أو كارتات حيث بلغ الرقم في عام 1920 19351 و20899 في عام 1921 و27497 في عام 1922 وقلت إلى 13762 في عام 1923 وزادت بشكل كبير إلى 32985 طلب في عام 1924 وعادت للانخفاض لتبلغ الطلبات 22768 طلباً في عام 1925 وزادت بشكل كبير في عام 1926 لتبلغ 44880 طلباً.
أما عدد تراخيص المركبات بجميع أنواعها ورخص السائقين والحوذية التي صرفت خلال تلك الفترة فبلغت 20899 رخصة في عام 1921 و21978 رخصة في عام 1922 و29345 في عام 1923 و32243 في عام 1924 و35498 في عام 1925 و34310 في عام 1926.
في نفس الوقت، صاحب زيادة عدد المركبات زيادة في عدد المخالفات حيث بلغت 9079 مخالفة في عام 1920 زادت إلى 13696 مخالفة في عام 1921 و14144 مخالفة في عام 1922 و17361 في عام 1923 و16259 في عام 1924 و18910 في عام 1925 و28617 في عام 1926.
زادت أيضاً خلال تلك الفترة الإنذارات والجزاءات لسائقي السيارات وعربات الركوب حيث بلغت 10742 إنذاراً في عام 1920 و9562 في عام 1921 و12537 في عام 1922 و15132 في عام 1923 و15132 في عام 1924 و19296 في عام 1925 و17850 في عام 1926.
في تلك الفترة أيضاً كان قلم المرور يقوم بإرسال خطابات إلى أصحاب المركبات التي قامت بارتكاب مخالفات عوضاً عن تحرير محاضر ضدهم وقد بلغ عدد تلك الخطابات في عام 1920 حوالي 1268 خطاباً و389 في عام 1921 و76 في عام 1922 و1082 في عام 1923 و1124 في عام 1924 و864 في عام 1925 و925 في عام 1926.
في عام 1914 لم يتجاوز عدد العاملين في قلم المرور أكثر من 57 فرداً فقط وزاد العدد إلى 58 فرداً في العام التالي وانخفض إلى 54 في عام 1916 ثم زاد إلى 62 في عام 1917 و68 في عام 1918 ثم 70 فرداً في عام 1919 ثم 111 فرداً في عام 1920 ثم 117 في عام 1921 و142 في عام 1922 و191 في عام 1923 وانخفض إلى 176 في عام 1924 و187 فرداً في عام 1925 و219 فرداً في عام 1926. ويتضح من تلك الأرقام كم كانت هزيلة أعداد أفراد المرور في مصر خلال تلك الفترة وبشكل لا يتناسب مع حجم الحركة المرورية. أما عدد نقاط دوريات المرور فبلغ 24 نقطة بين عامي 1914 و1917 وبلغ العدد 30 نقطة في عامي 1918 و1919 و47 نقطة في عام 1920 و50 في عام 1921 و52 في عام 1922 و70 في عام 1923 و72 في عام 1924 و83 في عام 1925 و119 نقطة مرورية في عام 1926.
وتجدر الإشارة بالنسبة لهذا التقرير إلى أن أرقام عام 1926 تشير إلى السيارات المسجلة في القاهرة وحدها.
كان للقسم الفني في قلم المرور العديد من المهام التي يتولى أدائها ومنها فحص السيارات وصرف اللوحات المرورية لها. وتشير الأرقام إلى أن السيارات الخاصة التي تم فحصها وصرف اللوحات لها بلغ 1471 سيارة في عام 1924 و1910 في عام 1925 و2126 في عام 1926 أما بالنسبة لسيارات التاكسي فقد بلغت 1362 عام 1924 و1382 عام 1925 و1257 عام 1926 وعربات النقل (اللوري) بلغت 259 في عام 1924 و471 في عام 1925 و603 في عام 1926. ووصل عدد سيارات الركوب العمومية (الأومنيبوس) التي تم فحصها وصف اللوحات لها 481 في عام 1924 و449 في عام 1925 و417 في عام 1926 والموتوسيكلات 459 في عام 1924 و420 في عام 1925 و480 في عام 1926.
أما عدد السيارات الملاكي التي فحصت وجددت رخصتها في عام 1924 فبلغت 2366 سيارة و2339 في عام 1925 و3873 في عام 1926 وسيارات التاكسي 854 في عام 1924 و951 في عام 1925 و1340 في عام 1926 وسيارات النقل (اللوري) 383 في عام 1924 و287 في عام 1925 و575 في عام 1926 وسيارات الركوب العمومية (الأومنيبوس) 444 في عام 1924 و551 في عام 1925 و1066 في عام 1926 والموتوسيكلات 878 في عام 1924 و535 في عام 1925 و791 في عام 1926.
في عام 1924، بلغ عدد العدادات الجديدة التي تم فحصها وختمها بمعرفة القسم الفني في قلم المرور حوالي 437 عداداً و189 في عام 1925 و90 في عام 1926 والعدادات التي أعيد ختمها بعد تصليحها 3229 في عام 1924 و3575 في عام 1925 و3232 في عام 1926.
ويشير التقرير إلى أن عدد السائقين الذين امتحنوا في القاهرة والأقاليم في عام 1924 بلغ 1896 سائقاً و1423 في عام 1925 و2021 في عام 1926. وبلغ متوسط عدد السائقين الذين امتحنوا يوميا في القاهرة سنة 1924 حوالي 7 اشخاص ولم يتغير الرقم في عام 1925 وبلغ 8 أشخاص في عام 1926. وبالتالي يكون المجموع من مختلف الأنواع السابقة 14526 في عام 1924 و14980 في عام 1925 و17879 في عام 1926.
في واقع الأمر كان وضع المرور مختلفاً تماماً خلال تلك الفترة خاصةً وأن قلم المرور كان يعاني من ضعف واضح في الإمكانيات. ويبرز ذلك في تقرير لحكمدار القاهرة حيث يقول فيه أنه لا يعتبر امتحان السائقين الجدد للحصول على رخصة قيادة وافياً من جميع الوجوه لأنه بالنظر إلى قلة عدد الأفراد لا يمكن تخصيص أكثر من 20 دقيقة لكل سائق. وخلال تلك الدقائق القليلة كان يتعين على الممتحن اختبار السائق في قيادة السيارة وفحص نظره عملياً وسؤاله عن معرفة المدينة. ويشير التقرير إلى أنه لم يكن من المتاح اختبار السائقين في القيادة الليلية رغم أهمية ذلك والسبب هو أن عدد الممتحنين لم يتجاوز الشخصين عليهم اختبار أكثر من ألفي سائق كل عام. وعلاوة على تلك الأعباء، كان على القسم الميكانيكي بقلم المرور تعليم شرطة المرور قيادة السيارات، وإلى تلك النقطة يقول رسل باشا حكمدار العاصمة حينذاك: "انني ارى أنه من الضروري أن يكون عسكري البوليس المشتغل بقلم المرور عارفاً كيف يقود سيارة وعالماً بما يمكن وما لا يمكن أن تأتيه السيارة وقادراً على مساعدة سائق سيارة يكون في حاجة إلى المساعدة بالطريق." ولكنه يضيف: "ولم يتيسر حتى الآن مباشرة التعليم البادئ الذكر إلا على سيارة من طراز فورد، ولكنني اسعى للحصول على سيارة من طراز أخر لاستعمالها في خصائص التعليم."
ويرصد التقرير حوادث المرور في تلك الفترة حيث يشير إلى أنه في عام 1924 بلغ الخسائر المادية التي نجمت من سيارات عمومية 17 حالة وفاة و315 إصابة و230 تلفية ومن السيارات الخاصة 18 وفاة و214 إصابة و164 تلفية ومن العربات العمومية التي تجرها الخيول والدواب 4 وفيات و72 إصابة و95 تلفية ومن عربات الترام 48 وفاة و465 إصابة و350 تلفية ومن الدراجات وفاة واحدة و86 إصابة و119 تلفية. وفي عام 1925، بلغ عدد الحوادث التي حديثت من سيارات عمومية حوالي 23 وفاة و342 إصابة و295 تلفية ومن السيارات الخاصة 18 وفاة و237 إصابة و188 تلفية ومن العربات العمومية التي تجرها الخيول والدواب 9 وفيات و192 إصابة و206 تلفيات ةمن العربات الخصوصية التي تجرها الخيول والدواب 4 وفيات و85 إصابة و121 تلفية ومن عربات الترام 17 وفاة و364 إصابة و316 تلفية ومن الدراجات وفاتان و97 إصابة و135 تلفية. وفي عام 1926 بلغ عدد الحوادث التي نشأت من سيارات عمومية حوالي 17 وفاة و395 إصابة و481 تلفية ومن السيارات الخصوصية 10 وفيات و313 إصابة و395 تلفية ومن العربات العمومية التي تجرها الخيول والدواب 11 وفاة و166 إصابة و232 تلفية ومن العربات الخصوصية التي تجرها الخيول والدواب 4 وفيات و86 إصابة و123 تلفية ومن عربات الترام 29 وفاة و361 إصابة و470 تلفية ومن الدراجات 157 إصابة و186 تلفية. والواضح من تلك الأرفام أن الدراجات كانت الأقل خطورة على أرواح البشر خلال تلك الفترة بينما مثلت مركبات الترام خطراً داهماً على الناس.
ويشير التقرير إلى أن العدد الإجمالي للحوادث بلغ 2634 حادثة عام 1924 و2651 في عام 1925 و3436 حادثة في عام 1926.

في هذا التقريراشار حكمدار القاهرة إلى بعض الملاحظات على الحالة المرورية في القاهرة خلال منتصف العشرينيات منها ضرورة إنشاء لجنة للمرور مؤلفة من موظفين كبار من مصلحة التنظيم والبوليس وإدارة السكك الحديديه ومصلحة المجاري وغيرها من الجهات لدراسة مجمل المصاعب التي تواجه حركة المرور في القاهرة ووصف علاج يخفف من حركة المرور التي أخذت تغمر شوارع القاهرة في تلك الفترة. وشير الحكمدار إلى أن إعادة إنشاء المدينة من جديد يعد أمراً مستحيلاً ولكن من السهل إزالة كثير من الصعاب القائمة حينذاك بعمل ترتيبات جديده لخطوط الترام وجزر الشوارع وما إلى ذلك. ويضيف أن تشكيل لجنة للمرور كفيل بمراعاة طلبات المصالح والجهات الممثلة فيها عند فتح طرق جديده أو إدخال أي تعديلات على الطرق القديمة.
الطريف أن تقرير حكمدار القاهرة يوصى بعدم توجيه حركة المرور في الشوارع في اتجاه واحد بأي شارع من شوارع القاهرة، وهو الأمر الذي صار متبعاً على نطاق واسع اليوم في شوارع القاهرة. ويوصى الحكمدار أيضاً بأن تكون حركة المرور في الميادين دائريه. ويوصى التقرير أيضاً بأن يتم وقف حركة العربات التي تجرها الحمير والخيول من شوارع وسط القاهرة المزدحمة بالسيارات، كما يشير إلى الحاجة الماسة إلى تدبير الحكومة لأراضي فضاء تصلح لأن تكون مواقف للسيارات للقضاء على الاختناقات المرورية في القاهرة نتيجة ركن السيارات في الشوارع.
في تلك الفترة أيضاً، بدأ التفكير في استخدام الإشارات المرورية عند تقاطعات الطرق ذات الكثافة المرورية العالية. ولكن أشار رشل باشا حكمدار القاهرة حينذاك إلى أن استخدام تلك الإشارات المرورية لا يعد ضروريا في الوقت الراهن.
مشكلة أخرى رصدها التقرير عن سيارات الأتوبيس الذي كان مصدر قلق لرجال المرور في النصف الثاني من عقد العشرينيات، حيث يقول التقرير أن الوقت قد حان كي يكون للقاهرة مصلحة سيارات أومنيبوس من أحدث طراز. فالتحسين غير ممكن طالما أن 420 سيارة أومنيبوس يمكلها 204 شخصاً، ومع ذل فقد وضعت مواصفات لتحسين مواصفات السيارات المذكورة وتم تقديم تلك الاقتراحات حينذاك للحكومة لإقرارها. وأشار التقرير إلى أنه في غضون سنتين ستتوارى تلك المركبات القديمة وحلت محلها سيارات جديدة لائقة وكفيلة بتقديم خدمة جيدة للجمهور.
ربما الأمر الذي يمكن أن نستنتجه من هذا التقرير الغني بالمعلومات والذي قمنا بنشره على مدار ثلاثة أسابيع أن مشكلات القاهرة المرورية لم تتغير، فلا تزال عربات الكارو ومركبات النقل البطئ الأخرى تعرقل حركة المرور في كثير من الشوارع ناهيك عن الفوضى العارمة التي تعاني منها شوارع العاصمة نتيجة سلوكيات سلبية من السائقين والمشاه على حد سواء. أما المشكلة الأطرف فهي مشكلة مناطق انتظار السيارات والتي كان أجدادنا يعانوا منها ولا نزال نعاني منها حتى اليوم بعد فوات الأوان. أما الأغرب فهو الإشارة إلى عدم صحة تحويل الشوارع إلى إتجاه واحد وهو أمر صار شائعاً في كثير من شوارع القاهرة اليوم. ورغم تركيب الإشارات المرورية في كافة شوارع العاصمة تقريباً وتواجد عشرات الآلاف من رجال المرور في مختلف الشوارع بعد أن كانوا بضع أفراد، فإن مشكلات المرور في القاهرة لا تزال كما هي دون تغيير. ولو استخدم أحد سكان قاهرة العشرينيات آلة الزمن وزار عاصمة المعز اليوم لأصيب بالسكتة القلبية من هول ما يراه من زحام خانق وفوضى لا يصدقها عقل.

شريف على

الاثنين، 14 مارس 2011

قصة الترام في مصر

من خلال مشاهد الثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ظهرت في تغطية الأحداث هناك معلماً يفتقده المصريون اليوم كثيراً وهو الترام الذي نادراً ما يظهر في عاصمة عربية اليوم بعد أن تواري كثيراً لصالح السيارات التي كسبت معركة دامت قرابة مائة عام كان للترام الغلبة في أغلب مراحلها. في القاهرة أيضاً تواري الترام واقتصر وجوده اليوم علي أطراف القاهرة بعد أن شق منذ قرن أغلب شوارعها وميادينها. ففي الواقع، كان الترام أحد أجمل معالم القاهرة خلال القرن الماضي، وكان أيضا شاهدا علي تطورها وتحولها من حياة القرون الوسطي إلي الحياة الحديثة. ومما يؤسف له أنه لم يتم الحفاظ علي الترام كوسيلة فعالة للنقل الجماعي، بل تم تهميشه لصالح الأتوبيس بعد أن وجهت إليه تهمة تعطيل المرور في الشوارع بسبب البطء. وربما الغريب في مصر هو أننا نسير عكس الاتجاه الذي تسير فيه معظم شعوب الأرض. ففي العالم المتقدم يبحثون عن وسائل نقل لا تلوث البيئة والترام خير مثال عليها بينما نتجه في مصر إلي وسائل نقل تسهم بشكل كبير في تلوث البيئة بفعل عوادم السيارات.


بدأت قصة الترام في مصر في 12 أغسطس 1896 وهو تاريخ تشغيل قاطراته لأول مرة في القاهرة. وكان لتشغيله بمثابة نقلة حضارية كبيرة للمجتمع القاهري علي نحو خاص. ففي تلك الفترة كانت السيارات تعد علي أصابع اليد الواحدة. وكانت وسائل الانتقال المتاحة محدودة وتتمثل في الحمير والعربات التي تجرها الخيول. وكما يقول محمد سيد كيلاني في كتابه "ترام القاهرة" كان سكان العاصمة يعانون من استبداد وبذاءة "الحمارين" و"العربجية" حتي صار لفظ عربجي يعني في العامية المصرية "صاحب الأخلاق القبيحة".

ربما المثير هو أن وجود الترام لم يقتصر علي القاهرة وحدها بل ظهر الترام أيضا في الإسكندرية ولا يزال موجودا حتي يومنا هذا. كما ظهر الترام في مدينة بورسعيد ولكن كان عمره قصير هناك.
كان ظهور الترام حدثا كبيرا في تاريخ القاهرة خاصة وأنه ظهر في وقت كانت فيه عاصمة المعز من أقذر عواصم العالم. فبخلاف مناطق الطبقات الراقية ووسط المدينة، كانت القاهرة مليئة بالعشش والمناطق العشوائية كما أن المدينة كانت محرومة من شبكات الصرف الصحفي. وزاد الطين بلة مع وجود ثلاث ترع تشق المدينة وهي الخليج المصري (موضع شارع بورسعيد الحالي) والترعة البولاقية والترعة الإسماعيلية التي كانت تبدأ من منطقة قريبة من ميدان التحرير ووصولا للأميرية ومرورا بميدان باب الحديد. في الواقع ساعدت تلك الترع علي سرعة انتشار الأوبئة نظرا لأن الناس كانوا يستخدمون شواطئها كمراحيض في بعض الأحيان وللوضوء والغسيل في أحيان أخري. أضف إلي ذلك أن نظافة الشوارع نفسها كانت في حالة يرثي لها.




في وقت ظهور الترام أيضا كان الانتقال من مكان لأخر داخل العاصمة أمر غاية في الصعوبة. ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الشوارع مظلمة وكان معظمها غير ممهد. وربما لهذا كانت الروابط الأسرية والاجتماعية بين أبناء الحي الواحد أقوي مما هي عليه الآن. ومع ظهور الترام انتقلت القاهرة من مرحلة التخلف إلي التطور. فقد صار من السهل التنقل بين أحياء المدينة المختلفة وفي زمن قياسي كما أنه ساعد إلي حد بعيد علي انتشار العمران وحقق للبعض ثروات بشكل غير مبار حيث ارتفعت أسعار الأراضي الواقعة بالقرب من خط سيره.. تماما كما حدث بعد ذلك مع الأراضي القريبة من خط مترو الأنفاق.. وفي وقت لاحق مع الأراضي الواقعة بالقرب من الطريق الدائري.




التفكير في مد خطوط للترام في القاهرة بدأ في أواخر عام 1892. وخلال أقل من عام أعلنت الحكومة عن رغبتها في أن تقوم شركة بمد خطوط الترام في العاصمة. وفي نوفمبر من العام التالي، وافقت الحكومة علي منح امتياز إنشاء "سكة ترومواي تسير بالكهربائية" إلي شركة بلجيكية. ونص الامتياز علي أن يتم إنشاء 8 خطوط مركزها من ميدان العتبة الخضراء إلي القلعة وبولاق والناصرية والعباسية ومصر القديمة والروضة علي أن يبدأ الخط السابع من الشاطئ المقابل للنيل متجها إلي الجيزة بينما يبدأ الخط الأخير من ميدان قصر النيل وصولا لقنطرة الليمون.


وفي العاشرة صباحا من أول أغسطس 1896، قامت الشركة بتشغيل تجريبي لأول قطار كهربي في القاهرة. وكان حسين فخري باشا ناظر (وزير) الأشغال أول من يستقل تلك العربة بصحبة عدد من كبار المسئولين. وسارت العربة من بولاق مرورا بالعتبة حتي وصلت إلي القلعة من خلال شارع محمد علي. وطوال تلك المسافة اصطف عشرات الألوف من المصريين لمشاهدة الأعجوبة الجديدة التي ركض الأطفال ورائها وهم يطلقون عليها لقب "العفريت". والواضح هنا أن القاهريين استقبلوا الترام بنفس الشكل الذي استقبلوا به السيارة. فكان الاعتقاد السائد هو أن الجن هو الذي يدفع بالترومواي.


وبعد أقل من أسبوعين وتحديدا في الثاني عشر من أغسطس 1896، تم الاحتفال بتشغيل الترام رسميا في القاهرة. وكان الاحتفال مهيبا حيث زين ميدان العتبة نقطة الانطلاق وكذلك زينت عربات الترام التي أقلت الوزراء وقناصل الدول وأمراء الأسرة المالكة وكبار رجال الدولة في رحلة إلي القلعة ثم عادت عربات الترام من إلي مقر الشركة في بولاق. ويبدو أن سكان القاهرة ألفوا خلال تلك الفترة مشهد الترام فلم يعودوا يخشونه أو يلقبونه بالعفريت. بل استقبلوه بالترحاب والتهليل.



ورغم أن سعر تذاكر الركوب بالترام كانت كبيرة نوعا ما حيث بلغت 6 مليمات للدرجة الأولي و4 مليمات للدرجة الثانية، غير أن الإقبال كان كبيرا خلال الأشهر الأولي حتي أن الشركة البلجيكية قامت في عام 1897 بردم الخليج المصري ومدت خطا تاسعا للترام من ميدان السيدة زينب وحتي غمرة. وفي نفس العام أيضا حصلت الشركة علي امتياز لمد خط من الجيزة وحتي الهرم.





وخلال عام 1902 تمكنت الشركة من الحصول علي امتياز بخط يمتد من ميدان باب الحديد وحتي ساحل روض الفرج مرورا بكوبري وشارع شبرا وأفتتح هذا الخط في شهر مايو من العام التالي.

ومع إنشاء كوبري الملك الصالح وكوبري عباس علي النيل، تم افتتاح خط للترام ينطلق من ميدان العتبة وحتي الجيزة مباشرة وكان في السابق يستمر حتي الروضة ثم يستقل الركاب مركبا بخاريا للضفة الأخري من النيل ثم الترام مرة أخري إلي ميدان الجيزة. ومع إنشاء كوبري أبو العلا، تم تشغيل خط أخر عام 1912 يصل للجيزة عن طريق الزمالك. وفي العام التالي، تم مد خط القلعة إلي منطقة الإمام الشافعي. كما تم مد خط أبو العلا إلي المبيضة. وبدا واضحا أن الترام صار وسيلة الانتقال الأولي في القاهرة رغم أن تلك الفترة شهدت بداية انتشار السيارات.


وما دمنا نتحدث عن الترام والأثر العميق الذي أحدثه في المجتمع القاهري، يتعين علينا أن نذكر حدثين هامين في تاريخ ترام القاهرة. ونقصد بهما الإضراب العام الذي قام به عمال شركة الترام البلجيكية للضغط علي قيادات الشركة لتحسين أوضاعهم المعيشية. وقع الإضراب الأول في عام 1911 ولم يستمر لفترة طويلة ولهذا كانت تداعياته علي حياة سكان القاهرة محدودة. بينما حدث الإضراب الثاني في عام 1919 وكان الترام حينها وسيلة الانتقال الرئيسية في القاهرة، ولهذا تسبب في شلل شبه كامل بالقاهرة ومتاعب جمة للموظفين وأصحاب الأعمال. وزاد من حدة تلك الأزمة استمرار الإضراب لمدة 56 يوما عاني خلالها القاهريون الأمرين. ففي تلك الفترة كان الأتوبيس أو "الأومنيبوس" كما كان يعرف حينها من وسائل الانتقال المستحدثة، بينما كانت وسائل الانتقال التقليدية المتمثلة في عربات الكارو وعربات سوارس التي تجرها الخيول قد بدأت في الانقراض. ولهذا وجد أصحابها في الإضراب فرصة ذهبية لتكوين ثروات بالمعني الحقيقي للكلمة، حيث تحكم أصحابها في أجور الانتقال من مكان لأخر وكانت تلك الأجور باهظة حتي أن مراسل جريدة لندن تايمز قال حينها أن أصحاب عربات سوارس كانوا يدفعون جزءا من أرباحهم لقيادات الإضراب في شركة الترام علي أمل مد فترته لأطول وقت ممكن.



في العشرينيات بدأت حوادث الترام في التزايد حتي صارت ظاهرة مقلقة للجميع، و بدأت التساؤلات تتردد عن السبب الرئيسي وراء تلك الحوادث. فالبعض أرجع سبب الخلل إلي الشركة التي لا تعني كثيرا بالعدد والآلات، بينما ارجع البعض سبب كثرة الحوادث إلي العمال أو تحديدا السائقين والكمسارية. فالكمساري "يزمر" قبل صعود الركاب أو نزولهم ولا يهتم كثيرا بسلامتهم. ورأي البعض أن الحكومة أيضا مسئولة حيث يتعين عليها الاتفاق مع شركة الترام علي فرض عقوبات مشددة علي كل سائق أو كمساري يتهاون في تأدية واجبه مراقبة راغبي الركوب والنزول.


واقترحت الصحف أن تقوم الشركة بتوزيع نشرة يومية أو أسبوعيه تشمل تفاصيل حوادث الترام وأسماء العمال المتسببين فيها والعقوبات الإدارية التي تعرضوا لها أو الأحكام القضائية التي أصدرتها المحاكم ضدهم ليكونوا عظة وعبرة لباقي السائقين.


اقترحت مجلة الصباح أيضا أن تقوم شركة الترام بتعيين مجموعة من الأشخاص المتعلمين المعروفين بدماثة الأخلاق تسند إليهم مهمة مراقبة السائقين والكمسارية في سائر الخطوط. ويكون هؤلاء المراقبين بملابس الجمهور العادية، فإذا رأوا إهمالا من سائق أو كمساري، قاموا بتدوين الحادث في مذكرة خاصة وأخذوا عنوان شخصين من الركاب للاستشهاد بهم عند اللزوم. ويكلف هؤلاء الركاب بتقديم تقارير يومية بملاحظاتهم وأعمالهم تعطي لإدارة الشركة فكرة عامة عن نظام العمل وأسباب الحوادث.


كانت أشهر عربات الترام في مصر علي الإطلاق هي الترام البلجيكي الذي استمر تواجده في مصر منذ نهاية الفرن التاسع عشر وحتي سبعينيات القرن الماضي. وبدأ ظهور الترام البلجيكي كعربات مفتوحة ثم سرعان ما تطورت بعد عقود إلي عربات مقفلة. وفي السبعينيات أدخلت بعض التعديلات في ورش هيئة النقل العام علي "السنجة" التي كثيراً ما كانت تقع عند سير الترام الأمر الذي كان يتطلب نزول الكمساري أو السائق لإعادتها إلي مكانها الصحيح واستئناف السير، حيث استبدلت بما يشبه الشبكة التي تصل بمصدر الكهرباء أعلي الترام دون أن تقع باستمرار. وتبين بعض الصور أن تعديلات أخري أدخلت علي شكل الترام بإضافة حاجز صدمات لحماية الترام وكان شكلها سخيفاً في واقع الأمر. وتواصل استخدام تلك العربات إلي أن تهالكت وصارت قطعاً من الخردة حتي أنه لم يبق حتي يومنا هذا سوي عربة واحدة تم تجديدها كقطعة من تراث مصر الحضاري تقبع اليوم في أحد جراجات الترام التابعة لهيئة النقل العام.


من عربات الترام الأخري الشهيرة في مصر الترام الأمريكي الشهير PCC والذي قامت هيئة النقل العام بالقاهرة بشرائه كعربات مستعملة بعد أن خرجت من الخدمة في بعض المدن الأمريكية وهي العربات الفردية ذات الشكل الاسطواني التي عرفها المصريون في سبعينيات القرن الماضي وظهرت كذلك علي خطوط ترام الرمل. وبشكل عام لم تدم تلك العربات طويلاً.




وربما الأسوأ بين عربات الترام التي ظهرت في تاريخ مصر هي عربات الترام التشيكي تاترا K5AR والتي حصلت هيئة النقل العام بالقاهرة علي 200 وحدة منها بين عامي 1970 و1973. وفي الواقع لم تكن تلك العربات سيئة للغاية بل كانت عبارة عن وسيلة انتقال حرصت الشركة التشيكية علي أن تصمم نظامها الكهربي بحيث يمكنه تحمل الظروف الجوية الحارة في القاهرة، كما كانت كل عربة من عربتي الترام مزودة بثلاث أبواب لتسهيل الصعود والنزول ولكن لم تصمد تلك العربات طويلاً بسبب نقص قطع الغيار وضعف مستوي الصيانة أضف إلي ذلك التجميل الزائد الذي لم تكن الشركة المنتجة تتخيله علي الإطلاق. وفي الواقع استمرت تلك العربات في العمل حتي أوائل الثمانينيات وبحلول منتصف ذلك العقد لم تبق في الخدمة سوي أعداد ضئيلة من عربات هذا النوع. والغريب أنه طيلة تلك الفترة، كانت عربات الترام البلجيكي لا تزال تعمل بحالة جيدة.



في أوائل الثمانيات من القرن الماضي، بدأت مصر في تصنيع عربات الترام . ففي عام 1980، بدأ بالفعل تسليم بعض وحدات الترام المصنعة محليا إلي هيئة النقل العام لتشغيلها علي الخطوط المحلية. وبدأت تلك الوحدات بالفعل في العمل علي خط السيدة زينب- المطرية. وفي العام التالي، تم تسليم 100 وحدة مصنعة محليا للهيئة. وكانت تلك الوحدات تنتج تحت إشراف خبراء من اليابان وبواسطة مهندسين مصريين.








وفي أوائل التسعينيات، أحيل ترام الفجالة إلي التقاعد. وكان السبب في التعجيل بإلغاء خطوط الترام في منطقتي الفجالة والظاهر يرجع إلي انتخابات مجلس الشعب خلال تلك الفترة. وفي واقع الأمر، انقسمت الأراء ما بين مؤيد ومعارض لتلك الخطوة فالبعض رأي أن إلغاء الترام حقق للشارع بعض الهدوء بسبب الضوضاء التي كان الترام يحدثها كما سهام في اتساع الشوارع بالظاهر والفجالة، بينما رأي البعض الأخر أنه بإلغاء الترام خسروا وسيلة مواصلات جيدة وعملية خاصة وأن الحكومة لم توفر بدائل لخطوط الترام الملغاة. وفي الوقت الذي كانت خطوط الترام تنكمش فيه في بعض المناطق، قامت الحكومة بمد خطوط ترام جديدة في مناطق أخري. ومن تلك الخطوط ذلك الخط الذي يربط بين حلوان والتبين لخدمة منطقة مصانع الحديد والصلب. وقد بدأ العمل في هذا الخط عام 1979. وفي نفس العام، تم الانتهاء من النفق الأرضي أسفل خط مصر-إسكندرية للسكك الحديدية عند شبرا. وتكلف هذا الخط مليوني جنيه لسير خط الترام الجديد الذي يربط بين منطقتي شمال وشرق القاهرة. وكان الخط يبدأ من شبرا المظلات ويصل إلي السواح والمطرية وشارع بورسعيد. ولم يقتصر التوسع في استخدام الترام خلال تلك الفترة علي هذا النحو، حيث تمك تنفيذ مشروع أخر لتسيير عربات الترام السريع علي خطوط مترو مصر الجديدة لربط الضاحية بخطوط الترام في العاصمة. وأمكن تحقيق ذلك لأن وحدات الترام السريعة كانت قريبة جدا من حيث المواصفات الفنية من خطوط المرور السريع. وتم بالفعل الاتفاق بين هيئة النقل العام بالقاهرة وشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير علي تنفيذ تلك الفكرة بأن يتبادل كل من الترام والمترو السير علي خطوطهما لإمكان حل مشاكل النقل والزحام في القاهرة.

\تطلب تنفيذ تلك الفكرة إنشاء بعض الوصلات التي تربط بين شبكتي الترام والمترو حتي يمكن لكل منهما الدخول علي مسار الأخر.وبدأ المشروع بالفعل من خلال خط يربط بين شبرا المظلات والمطرية. وكان هذا الخط يبدأ من شبرا المظلات إلي شارع السواح والمطرية ثم يدخل بعد ذلك إلي مسار خط المترو في شارع ابن الحكم بعد ميدان المطرية متجها إلي مصر الجديدة. وقد ساعد هذا الخط علي تسهيل انتقال القادمين من الطريق الزراعي إلي القاهرة عند منطقة شبرا الخيمة. وفي وقت لاحق، تم ربط خط مترو الدراسة بترام العباسية كما تم التوسع في خطوط الترام بمدينة نصر التي كان من الصعب خلال تلك الفترة الاعتماد علي الأتوبيس كوسيلة مواصلات رئيسية فيها لطول شوارعها وتشعبها.


واليوم انكمش الترام فاختفي من شبرا حتي أن جراج الترام في شبرا تحول إلي حديقة عامة واختفي الترام تقريباً من كافة شوارع القاهرة واقتصر تواجده علي ضواحي القاهرة، لتنتهي بذلك سطوة الترام التي استمرت قرابة قرن كامل كان فيه وسيلة لنقل القاهرة وسكانها من حياة القرون الوسطي للعصر الحديث.


بالطبع لا يمكن أن نتحدث عن ترام القاهرة دون أن نذكر قصة الرجل الذي باع الترام، وهي قصة حقيقية لنصاب يدعي رمضان أبو زيد العبد وكان يبلغ عمره حينما خرج من السجن عام 1948 حوالي 27 سنة حكي للصحافة قصة بيعه الترام لأحد القرويين. وهي الحادثة التي كانت علي ما يبدو أعظم انجازاته في عالم النصب حيث يقول في روايته أنه كان يركب الترام رقم 30 في شارع القصر العيني وكان بجواره أحد القرويين ممن شعر أنه يمكن أن يكون فريسة سهلة له، فأعطاه سيجارة وبدا النصاب والقروي يتبادلان الحديث. فهم النصاب حينها أن القروي جاء للقاهرة كمستثمر يبحث عن عمل يليق به في القاهرة وأن معه بعض المال الذي يمكنه من البدء في العمل. وعرض عليه النصاب بعض المشاريع ولكنه رفضها وعندما أبدي القروي ملاحظة علي ازدحام الترام عرض عليه النصاب أن يشتريه، فابتهج القروي وتوجها لمحامي للحصول علي عقد بيع بصم عليه القروي الذي طلب فيه النصاب 200 جنيه مؤكداً للقروي أنه نظراً لكونهما بلديات طلب منه هذا السعر في الترام الذي لا يقل سعره لو باعه لشخص غريب بألف جنيه مصري. بعد المساومة والإلحاح من القروي، تم بيع الترام بمبلغ 200 جنيه دفع القروي وكان يدعي حفظ الله سليمان مبلغ 80 جنيها وختم علي كمبيالة بمبلغ 120 جنيهاً. وفي ميدان العتبة أنتظر الجميع الترام رقم 30 كي يستلمه القروي حيث اتجه النصاب إلي الكمساري ومنحه قرش صاغ كامل وكانت التذكرة حينها بمبلغ 8 مليمات وطلب من الكمساري أن يحتفظ بالباقي نظير الاهتمام ببلدياته الذي سينزل في أخر الخط في إشارة إلي القروي حفظ الله. بعدها أخبر النصاب حفظ الله أنه عند نهاية الخط عليه أن يذهب إلي المحصل لاستلام الإيراد كاملاً وإلا سيتم إلغاء البيع وتركه النصاب بعدها. وعند نهاية الخط نبه الكمساري حفظ الله بأن عليه النزول، فطلب الأخير الإيراد فدهش الكمساري وتطور الأمر إلي خناقة انتهت في قسم الشرطة، وكانت قصة أول قروي ساذج يشتري الترام في العالم. والواقع أن تلك القصة انتشرت عالمياً حتي أن مجلة لندن المصورة نشرت لوحة فنية في صدر غلافها تجسد تلك القصة.